- 2020-06-29 15:19:41


إقرأوا القصة التاريخيّة النادرة" أيّام لا تُنسى في سنوات الهجاج (1950-1948) بقلم الأستاذ محمود أبو ليل/ أبو هادي


ما برح الكاتب والأستاذ محمود أبو ليل ( أبو هادي) يُطلّ عليكم بإبداعاته الأدبيّة الوطنيّة والنادرة
لقد قام الكاتب بكتابة قصّة فتيّة ومذكرات شابٍّ في سنوات الهجاج, بطلها أحد شخصيّات القرية الذي وا زال على قيد الحياة, ويبلغ من العمراليوم 87 عاما .
في القصة أبعاد وطنيّة ومشاهد سياسية ونواح اجتماعيّة فريدة من ذاك الزمان.
تدور أحداث القصة في فلسطين, لبنان سوريا الاردن وفيالضفّة الغربية.
في القصة قصص داخلية ممتعة تضفي جوا حقيقيا لتلك الايام العصيبة.
القصة مؤلفة من حلقتين :
تعالوا نتمتع ونستفيد من هذا العمل الفنّي الرائع.
ونشكر الأستاذ محمود أبو ليل الذي اختار موقعنا موقع الواد ليكون الناشر الأول لهذا الأدب فهو يسطّر تاريخ القرية بطريقة أدبيّة مشوّقة .
يسعدنا أن ننشر الحلقة الاولى أمّا الحلقة الثانية سيتم نشرها بعد 3 أيام

 

أيّامٌ لا تُنسى في سنوات الهجاج(1948-1950) 1367 هجـ -1369 الحلقة الأولى
(بقلم الأستاذ محمود أبو ليل/ أبو هادي)
كنت في الرابعة عشرة من عمري، كنت أصغر أبناء والدي سعيد مختار القرية, اتعلّم في المدرسة الثانويّة , فقد كنت الوحيد من أبناء جيلي ممن يلتحق بمدرسة ثانوية.
لقد انقطعت عن التعليم في ذاك العام, لا لمرض ولا لقلّة مال, فقد دها البلاد أمرٌ جعل الحليم حيرانا.
ذاك العام الذي أراه رأي العين ,ذاك هو عام النكبة , عندما استسلمت معظم المدن والقرى, وبقى الجليل صامدا ,ولكن إلى متى؟
مرّ علينا رمضان في تلك السنة ونحن نترقّب ما عسى أن يكون , الفلاحون على البيادر جادّون لإنهاء الموسم , والأخبار تصلنا عن سقوط مدن وقرًى أخرى في الجليل , ها هي صفورية تُحاصرُ في ليلة الخميس التاسع من رمضان , وسرعان ما تسقط في صبيحة اليوم التالي, وها هي مدينة الناصرة تسقط في العاشر من شهر رمضان في يوم الجمعة الموافق لـ 16 تموز 1948 .
لقد استعمر الخوف قلوب الناس في القرى العربية المجاورة، وكذلك في بلدي عين ماهل، إنّهم أناس لا حولَ لهم ولا قُوّة في ردّ قوّات اليهود المجهّزة بالأسلحة والعتاد , أناس سلّموا أمرهم لقياداتٍ محليّة وعربيّة؛ كانت عاجزة عن تدبير الأمور , وقياداتٍ كانت شريكة في باطنها بتنفيذ المؤامرة .
كان تعداد قريتي حوالي 1100 نسمة , يعتاشون على الزراعة والرعاية والتجارة البسيطة , لا يملكون من متاع الدنيا إلّا ما يسدّ جوعهم ويستر عُريهم, ولا من السلاح إلا بضع بنادق قديمة يتناوب عليها رجال العائلة ليحرسوا القرية.
لقد بدأ الخوف يستولي على قلوب الكثيرين , ويسمعون أنّ كثيرا من سكّان المدن والقرى تركوا بلادهم متجهين شمالا ,صوب الجليل الأعلى أو إلى لبنان, وكنت أرى العشرات من رجال ونساء القرية يحضّرون متاعهم ليبدأوا رحلة الهجاج شأنهم شأن الكثيرين الذين سبقوهم .
لن أنسَ تلك الليلة ؛ليلة الجمعة؛ ليلة العاشر من رمضان 1367 هجـ ليلة سقطت صفورية ,وفيها جلس أبناء حارتنا في بيتنا ,بيت والدي مختار القرية, وكانا يتناقشون في أمر الهجاج, وخلصوا إلى قرار: أنّ سفر الهجاج سيكون عشيّة الغدِ بعد المغرب, وأن يقوم الجميع بتجهيز ما يلزم لهذه السفرة المجهولة,
فقلت لأبي:
- لماذا الهجاج يا أبي، ألست المختار ؟ ولك الكثير من المعارف؟
- صحيح يا ولدي , لكنني لست مختارا من قِبَلهم ,ولا أريد أن أكون شريكا لهم أو متعاونا معهم .
- وماذا يا أبي عن الذين سيلحقون بنا , أو سيأتون معنا ؟
- لا تقلق يا ولدي، إنّ مع العسر يسرا , الجيوش العربية وجيش الإنقاذ سينتصر في النهاية, وسنعود إلى
بلدنا قريبا , هيّا يا أولادي قوموا بتجهيز ما يلزم فسفرنا غدا مساء.
لم يغمض لي جفنٌ في تلك الليلة، كيف سأنسى ملاعب الصبيان في وسط القرية؛ كيف سأترك موسم البيدرة؛ والمتعة التي تنتظرنا في هذا الموسم , كيف سأترك أيام الصيد, وأيّام اللهو وأيّام العيد ,والذي سيكون أوّل عيد فطر يزورونا ,ونحن بعيدون عن بلدنا, وتذكرت ابتعادي عن مقعد الدراسة؛ وفقداني لأبناء صفّي في المدرسة الثانوية , تذكرت وتذكرت... حتى صاح ديك الفجر , وانطفأت النجوم المتلألئة التي كانت تساهرني ؛ناظرة إليَّ عبر الفتحات الضيّقة بين وريقات الكرمة التي كنت أجلس تحتها.
وفي ساعات المغرب لليوم التالي , ذلك اليوم الحزين , شاهدت حركة نشطة في القرية وفي حارتنا , الناس قلقون , عصبيون وهم يحضّرون متاعهم وطعامهم لهذه السفرة المجهولة, كانت عائلتنا مكوّنة أبي وأمّي, أخي توفيق وزوجته وأختي, وانضمّت إلينا عائلات من حارات أخرى: أذكر عائلة الباير التي كنت رفيق دربنا في معظم المحطّات , وأذكر أبناء عمي عبد الرحيم وبرفقتهم يوسف العيسى وعبد الله حسين وحسن الحجي , وأبناء احمد الحسين , وأذكر أبناء عمّنا من عائلة حبيب الله: كامل سلطان , ودار الحج خليل ومحمد حموضة, عائلة أبو عايشة , وعائلة عوض سعيد وأناس من سائر العائلات,تجمّعوا زرافاتٍ ووحدانا ينتظرون السفر ليلا , فإلى أين؟
تحرّك القوم بعد أذان العشاء يودّعون قريتهم وصوتَ أذان العشاء والذي بدا حزينا باكيا , نزل والدي من عِلية البيت , وقد رأيت عليه علامات القلق وعدم الارتياح , نظر إلى الجمع من حوله, ثمّ نظر إلى بيتنا وهو يودّع من بقي فيه ,وشاهدت دمعة سخيّة تنزلق من عينيه , مسحها بسرعة وقال هيّا.. هيّا ...,سمعتها ممزوجة بحشرجة اختنقت في حلقه , اقترب منّي وضمّني ضمّة قويّة وضمّ أخي توفيق ضمّة أخرى , وقال على بركة الله سيروا... وبدأت رحلة – إن صحّ تسميتها – رحلة الهجاج.
كان السير صوب الشمال , مررنا بعين الجوزة ؛فقرية كَفْر كنّا؛ فقرية رُمّانة ؛حتّى وصلنا إلى قرية عرّابة البطوف, وهناك شاهدنا آلاف الناس من القرى المجاورة ,يفترشون الأرض ويتفيّأون ظلال أشجار الزيتون, لعلمهم أنّ خط الحدود بين اليهود والعرب هو سهل عرابة , وفي هذا المكان أمان حتّى هذه الفترة.
وضعنا رَحلنا في عرابة, أخذت أنا وأخي توفيق نتجوّل بين الناس , نستمع إلى حديثهم ووضعهم, سمعنا صياحا وزياطا من بعيد, فلمّا اقتربنا رأيت أحد فلاحي القرية يحاول منع الناس من الجلوس تحت أشجار الزيتون التابعة له , ورأيت عمّي أبا فتحي , وقد تجهّم وجهه, يخاطبه بقوة وهو يصوّب بندقيته نحو الرجل صائحا: أما يكفيك ما نحن فيه ؟ ألا فلتخجل! فما جئنا لنستولي على أرضك يا رجل! هبْ أنّنا جئنا إلى بيتك ضيوفا , أكنت ستطردنا ؟ أطرق الرجل خجلا ,ثمّ انصرف معتذرا عما بدر منه.
بتنا ليلة في عرابّة, وتحت كلّ شجرة قصة , وحديث الناس هل نكمل السير ؟ أم ننتظر الأخبار الواردة من القرى التي وقعت في أيدي اليهود, كان عدد أهل قريتي الذين ينتظرون في عرابّة أكثر من مائة نسمة , منهم من قرّر الانتظار, ومنهم من قرّر مواصلة السير شمالا بعد سماعهم عن مجزرة عيلوط وإرسال المئات من شباب القرى إلى المعتقلات .
لا أدري لماذا قرّر والدي مواصلة السير, ففي صبيحة اليوم التالي, حزمنا متاعنا متوجهين شمالا , مررنا بقرية الرامة , ثمّ استأنفنا السير حتى وصلنا قرية بيتَ جن , بتنا ليلة في القرية , واستأنفنا مسيرنا في اليوم التالي حتى وصلنا قرية سعسع , ثمّ دخلنا الأراضي اللبنانية مرورا بقرية يارون حتّى وصلنا قرية بنت جبيل , نمنا ليلتنا الأولى في كروم القرية .
معظم الناس قرروا السكن في كروم القرية, أمّا الموسرون القليلون فقد استأجروا بيوتا في القرية .
وفي اليوم التالي أستأجر والدي لنا بيتا في الطابق الثاني يُطلَ على سوق القرية, وكان يسكن الطابق الأرضي عائلة من قرية الجشّ القريبة , كانوا يقضون نهارهم في بلدهم الجشّ , ويبيتون في بنت جبيل خوفا من جنود اليهود الذين بدأوا يقتربون بالاستيلاء على الجليل الأعلى.
سكننا في بنت جبيل قرابة خمسة أشهر, كنت أنا وكثير من شباب بلدنا نتجوّل في أحضان هذه القرية الجميلة؛ نلعب في ملاعبها؛ نأكل من ثمار كرومها سرّا, والقليل من أهلها مضيافون يتغافلون عمّا نفعل , ويقدّرون الوضع الذي نعيشه كمهجّرين. أمّا البقيّة فلم يَرُق لهم هذا الوضع ,وأن تتحوّل بلدهم معسكرا للّاجئين , كانوا يتمنَوْنَ رحيلنا . لا زلت أذكر عندما كانوا يشتموننا قائلين: " يلعنكوا عابُكرة وعابعد بُكرة."
ذات يوم قال لي أخي توفيق: أتدري يا عبد الحميد ما جرى للعائلة التي تسكن في الطابق الأرضيّ؟
قلت: حدّثني ماذا حصل؟
قال: لقد هجم جنود من اليهود على بيتهم في الجشّ نهارا ,واغتصبوا خطيبة أحد أفراد العائلة.
قلت: وهل اعتقلوهم؟
قال: لا , فقد تركوهم بعد فعلتهم النكراء , وها هي العائلة في الطابق الأرضي ترثي وتبكي ما جرى لها.
لقد كانت أسرتنا تملك بعض المال ,ولكن هذا المال بدأ ينفذ , لأنّ ما يصرفونه لنا من مؤن للطعام لم يكن كافيا, عجّل والدي بحلّ المشكلة , فقد طلب منّي والدي العودة إلى القرية لتأمين بعض النقود .
انطلقت مع رجال من القرية في صبيحة أحد الأيّام, وصلت القرية عند أذان العشاء , استطعت تأمين
9 ليرات ذهبية , وقضيت ليلتي استمع إلى أخبار القرية , وكيف أنّ البلدة سقطت بأيدي اليهود بعد يومين أو ثلاثة من رحيلنا , وكيف وُضع عشرات الشباب في غرفة إبراهيم العبد الله وأغلق عليهم ليتمّ قصف الغرفة بمن فيها , وكيف جاء أمر بعدم قتلهم وإرسالهم إلى المعتقل .
جمّعت الأخبار وانطلقت في رحلة العودة إلى بنت جبيل أحمل هذا المبلغ الكبير فالليرة الذهبية تعدل دونما أرضا , وهي كنز كبير في هذه الأوضاع التي نعيشها , فالرحلة لا تزال طويلة.
وتمرّ الأيام نسكن بنت جبيل , ننتظر الأخبار السّارة , ولكنّ الأخبار لم تكن كذلك , فها هو الجيش اليهودي يبدأ بالسيطرة على الجليل الأعلى , وجيش الإنقاذ لم يعد قادرا على التصدّي, فمعظم قياديه الوطنيين كانوا قد ترك القيادة عندما أحسّوا بالمؤامرة الحقيرة, ومنهم أذكر صفوت باشا العراقي وطه بيك الهاشمي ,فتولّى القائد فوزي القاوقجي القيادة, وكان قد أرسل 5 حافلات من الجنود غير المدربين للدفاع عن الجشّ فتسقط الجش ؛ويقتل معظم جنود جيش الإنقاذ؛ وتّشتمُّ روائح المؤامرة , وتقوم المُظاهرات في بنت جبيل , وسمعنا أنّ قائد الجيش السوري حسني الزعيم, سيزور المنطقة , ولمّا شكا الناس والمهجّرون ما حدث في الجشّ, عندها قال مقولته المشهورة : " السياسة ما بهمّها عدد الأرواح",وكان الزعيم قد اغتنم ضعف الرئاسة السورية في تدبير المقاومة الحقيقيّة، فقام بانقلاب في آذار 1949م ,واستلم الرئاسة, ولم يكن أمره إلّا كأمر سابقيه, فقد اتّهم بالخيانة , وقُتل في انقلاب أيلول 1949م.
ويتمّ تنفيذ مجازر كبيرة في قرى عديدة لتخويف السكان , وإلجائهم إلى الهجاج .
سقطت سعسع وقرى في شمال فلسطين، وقرى أخرى في جنوب لبنان, وأصبح الوضع خطيرا , لنبدأ رحلتنا من جديد ولنجدّد المسير شمالا إلى المحطّة القادمة.
لقد ساءت الأحوال , وأصبح ما يصرف لنا ( رغيف خبز وعلبة سردين) غير كاف لسدّ الجوع , ففي كلّ يوم كنت أتوجه أنا أو أخي توفيق لجلب المؤن من كم الجيش ,وذات يوم حدث أمر عجيب, فبينما كنت أنتظر استلام المؤن لعائلتنا , رأيت ضابطا يتوّلى أمر توزيع المؤن, نظرت إليه ونظر إليّ طويلا , وهجم عليَّ يقبّلني ويضمّني بعُنف قائلا : ألهذا الحدّ وصل بكم الأمر يا عبد؟ بكى وبكيت بكينا حتى احمرّت مدامعنا, ثمّ أخذني معه إلى مكتبه الخاصّ وأخذ يسمع منّي قصة هجاجنا وهو يضرب كفّا بكفٍّ ويحوقلُ.
نعم, صنائع المعروف تقي مصارع السوء, أنّه الضابط فؤاد الفاهوم المسؤول عن مخزن توزيع المؤن ,وكان يعرفني ويعرف عائلتنا , وعلاقة بوالدي كانت قويّة.
قال لي: بلّغ سلامي للوالد عمّي " أبو حسن" وتعال كلّ يوم لأعطيك ما يلزم من مؤن تكفي حاجتكم وحوائج أقربائكم , ففضلكم سابق.
وكنت –أذا زادت بعض المؤن عن حاجتنا – أبيع بعض أرغفة الخبز وعلب السردين لقاء بضعة قروش ندّخرها لمحطاتنا القادمة.
بلغ خبر بيعي للخبز والسردين آذان المسؤولين؛ وفي ليلة العيد ,داهم عدد من الجنود بيتنا ؛ ساقوني معهم إلي كم الجيش, وكان الذي يحقّق معي ضابط يُدعى إدوار , لا زلت أذكر ذاك المشهد : صفعني صفعة مدوّية قويّة , وانتهرني قائلا: " يا كلب , توكل من قوت الشعب! أغرب عن وجهي! ولا تعُدْ لهذا العمل القبيح. حمدت الله أنْ كان هذا عقاب المُخالفة, وهرولت مُسرعا خارج الكم, فرأيت عمّي طه يحمل المؤن الكثيرة , لقد هجّ لوحده خوفا أن يعدمه جنود اليهود , فقد كان يعمل في "الريفيناري" في حيفا , وذات يوم حصلت مناوشات بين اليهود والعرب في المصنع وتم مقتل بضعة عمال يهود , وكان عمّي طه من جملة المشاركين في هذه المناوشات, فكان يعتريه الخوف والقلق كلّما اقترب جنود اليهود إلى بلدنا , نعم, قرّر أن يهجّ لوحده , فسكن معنا في بنت جبيل, ولكن, هل يكفيه رغيف خبز وعلبة سردين في اليوم ؟
سألته يومذاك: من أين لك هذه الكمية الكبيرة من المؤن , وأنت وحيد ياعمّي طه؟
أجابني: نحن نستلم المؤن بموجب بطاقة التطعيم, فقد توجهت لهيئة الصحّة ليقوموا بتطعيمي شأن جميع الناس , ولكنني كنت أذهب كلّ يوم لأتطعّم من جديد تحت أسماء أخرى؛ فحصلت على سبع بطاقات تطعيم ؛وهذا يعني سبع بطاقات تموين , هل فهمتّ يا ابن المختار؟
وتمضي الأيّام , ونُشر خبر بين الناس أنّ الرحيل عن هذه البلدة سيكون غدا , ولكن إلى أين؟
نعم, لقد تركنا بنت جبيل التي حضنتنا بكرومها , بأرضها وسمائها , بعد أن مكثنا فيها حوالي أربعة أشهر ,
وقام جنود جيش الإنقاذ بنقلنا شمالا ,على مرحلتين : أوّلا حمّلوا عائلتنا وعائلة الباير وأنزلوهم في قرية بيت ياحون ,وبقيت أنا وزوجة توفيق الباير وابنها الرضيع مُحمّد ( أبو عنان) الذي وضعته قبل أيّام , وأخته حكميّة وأختي ,فنقلونا في النقلة الثانية , ولكن أنزلونا بعيدا عن بيت ياحون , بالقرب من قرية تبنين.
أوينا إلى بستان على الطريق, عندما كانت شمس ذلك اليوم تختفي خلف قلعة عالية ناحية الغرب, هي قلعة تبنين المشهورة, لم نكن في تلك الليلة نسمع إلّا أصوات عجلات السيارات , وبكاء الطفل محمّد الذي شاءت المقادير أن ينام في أيّامه الأولى في العراء ,تحت شجرة تين في نواحي تبنين.
وفي صبيحة اليوم التالي , وقفت على طرف الشارع , كيف لي أن أعود إلى بيتاحون ؛ ولا أملك مالا لدفع أجرة الباص ؟ ليس من حلّ إلّا أن " أتشعبط" على طبّون الباص, وفعلا قدم الباص المتوجّه إلى بيتاحون , وقف في المحطّة , فما أن بدأ يتحرّك ,فأخذت أركض خلفه, أمسكت بحديدة على الباص, ثمّ جلست على الطبّون حتى وصلت يبتا حون , ,اخبرت عمّي توفيق الباير عن مكان أفراد أسرته.

خيّم معظم المهجّرين في أحراش القرية؛ وهي غابة واسعة غرب القرية؛ مزروعة بأشجار السنديان والزعرور. وقضيت اليومين في هذه القرية وسط القرية , أجلس حيث يتجمّع الشباب عند بركة أثرية قديمة هي أحدى آثارها الهامّة.
كان الوضع سيّئا جدا , لقد نفذت المؤن , فأصبحنا كمن "يشحد" من كَمِّ الجيش بعض الفتات الذي يُسكت جوعنا ,وقامت صيحة أمام كم الجيش, فخرج ضابط ليتفحّص الأمر , نظر إلى الحشد الغاضب , ثمّ وقع نظره عليّ , وأطال النظر فأشار إليَّ أنْ تقدّمْ, فلمّا اقتربت منه عانقني وقبّلني ثمّ قال لي :
ماذا تفعل هنا يا عبد الحميد؟
فأخبرته الخبر, فأعطاني ما يلزم من خبز كافٍ وكرتونة من السردين , وطلب منّي إبلاغ السلام للعائلة .
من هو هذا الضابط؟ ولماذا ساعدني هذه المساعدة؟
إنّه الضابط محمود علي حمّاد, كان يعمل ضابطا غير مُقيم في بلدنا , لقد عُيّن آنذاك حارسا يراقب حركة القوات اليهوديّة في المنطقة , لقد أقام في بيتنا أكثر من شهرين .
قال لي: سلّم على أخيك توفيق, وأعلم يا عبده, أنّكم غدا منتقلون إلى صور.
كان توفيق في مثل جيله ,وكانا يسهران معًا في بيتنا, ونشأت بينهما علاقة صداقة حقيقيّة.
وكنّا نتابع أخبار البلاد, وأخبار اليهود وأخبار الجيوش العربية, وكانت معظم الأخبار تنبئ بالسوء والخيانة وانكسار لجيش الإنقاذ في معظم مواجهاته مع القوات اليهوديّة.

من يخطّط لمسيرنا من مكان إلى آخر، ومن يسهّل انتقالنا ويهيئ الظروف؟
أسئلة لم أجد لها جوابا في ذلك الوقت.
وأذّن مؤذّن السفر من جديد, فتوجهّنا في اليوم التالي إلى مدينة صور الساحليّة , مررنا بقرية جويّا ذات المناظر الخلّابة , وسألت عن سبب تسميتها , فأخبروني أنّ اسمها القديم "نجمة الصباح" , إلى أن غيّر الفرنسيون اسمها إلى جويّا أي المكان المُفرح الجميل. ثمَّ وصلنا مدينة صور الساحليّة مع غياب شمس ذلك اليوم.
كانت " فرجونات" قطار الشحن بانتظارنا لتكون لنا مسكنا مؤقتا. سكنت عائلتنا وعائلات أخرى من قريتنا في فرجون كبير في محطة القطار لمدينة صور, وقد كُتب على الفرجون " ن .ب.ط" فسألت عن ذلك الرمز, وأخبرت أنّه القطار الذي يبدأ من الناقورة ثمّ بيروت ثمَّ طرابلس الشام ., وهو قطار يمرّ في المدن الساحليّة كصور وصيدا.
لم يطل مكوثنا في محطة القطار في مدينة صور الفنيقية آثارا وتاريخا، فها هو القطار يطلق صفارته، معلنا بداية السفر من جديد، كان ذلك والشمس قد غاصت في بحر المدينة , وليسير القطار متّجها نحو مدينة طرابلس الشام, وصلنا المدينة صباح اليوم التالي, وقد حطّ بنا القطار في تلك المحطّة لهذه المدينة التاريخيّة طرابلس الشام( تمييزا لها عن طرابلس الغرب في ليبيا) والتي معناها تْرِي بوليس أي المدن الثلاث.
ألقينا عصا الترحال، وانقضى عام 1948م , بكلّ آلامه وأوجاعه, "وتفرّق القوم أيدي سبأ" .
ها نحن نستقبل عاما جديدا، إنّه العام 1949م .
هل سيكون عام خير وانفراج لنكبتنا؟ وهل سيتوقّف هذا العذاب , هل سنعود إلى وطننا؟
أسئلة عالقة في ذهني , كان والدي يلاحظ ذلك , فكان يقول جملته المشهورة متمثلا الآية :"إنّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسرا", وكأنّه كان واثقا أننا سنعود إلى قريتنا مهما طال الزمان.
أقمنا في محطة القطار شهرين تقريبا، كان الوقت بداية فصل الشتاء وكنّا نغتنم , نحن الشباب , الأيّام الصائفة فنتجرّأ على السباحة أحيانا, وكنّا نتجوّل في هذه المدينة الأثرية ,نشاهد قلعة شامخة مشرفة بناها المسلمون في بداية الفتح الإسلامي, ومن هناك يمكن رؤية جزيرة قبرص عندما تكون الرؤية واضحة.
وأهل طرابلس من أحسن الناس خلقا وكرما , ففي كلّ يوم كان أهل المدينة يقبلون علينا في مساكننا
(فرجونات القطار) بالأطعمة اللذيذة من مطبوخات بيوتهم , طعام لم نذقه منذ عدّة شهور, ويقدّمون لنا من حلوياتهم , لقد وقع حبّهم في قلوبنا , وكنّا ننتظر قدومهم في أوقات الغذاء من عصر كلّ يوم , أصبحنا نوّفر ما يُصرف لنا من مؤن زائدة لتكون لنا زادا يسعفنا عند الحاجة في محطاتنا القادمة.
كان أوّل مولود في طرابلس هو محمد سعيد عبد الرحيم , وكان برفقتنا في هذه الرحلة كثير من الرضّع وكثير من الأطفال الصغار من عائلات كثيرة, وكثير من النساء الحوامل, لقد كان الوضع صعبا وحرجا.
كم رغبت أن نبقى في طرابلس إلى أن يأتيَ الفرج! ففيها قضيت أسعد أيّام الهجاج, فكم لهونا أنا وشباب من قريتي هم في مثل جيلي وشباب من مدينة طرابلس على شاطئ البحر , لقد تعرفت على بعضهم وأصبحنا لا نفترق عن بعضنا إلا في سواد الليل ,كانوا يعرّفوننا على معالم القديمة وخصوصا وسط المدينة حيث الأسواق القديمة ,والتي كانت أشبه ما يكون بأسواق القدس القديمة أو سوق القصبة في مدينة نابلس.
مضى شهران ,ولا أنسى تلك الليلة , عندما أخبرني أخي توفيق أننا سننطلق مساء الغد لننتقل إلى سوريا , إلى دمشق عاصمة الشام . لقد شعرت بالحزن لأنّني سأفترق عن هذه المدينة الرائعة ,التي حضنتني بدفء وحنان , فيها شعرت بالأمان , فيها شعرت بالحبّ, فيها رأيت عربا حقيقيّن يغيثون الملهوف ويكرمون الضيوف.
وفي ساعات عصر اليوم التالي أخذنا نعدّ متاعنا ,ونشتري ما يلزمنا , فاليوم سنغادر فيحاء لبنان ودولة لبنان التي عشنا في ظلالها بضعة أشهر , ولننتقل إلى دولة أخرى هي سوريا ,حيث سبقنا إليها أبناء عمّي علي يوسف أبوليل.
انطلق القطار بطيئا, يغادر المدينة , كنت أنظر إلى المدينة عبر نافذة القطار ,وأنا اودّعُ المدينة أخذت العَبَرات تنزلق من عينيّ بغزارة, أخذت أفكر وأسأل نفسي : هل ستكون دمشق حانية علينا كما كانت طرابلس, وبدأ الظلام يُرخي أستاره , فلم نعد نرى شيئا سوى أضواء متفرقة من بعيد, ولا نسمع إلّا شخير الكثيرين الذي امتزج بصوت عجلات القطار وهدير ماتوره القديم.
أخذتني سِنَة من النوم... وكنت تارة أصحو وتارة أنام , توّقف القطار في محطّة تل الكلخ , وهي محطة قديمة ومشهورة , فهي تقع في منتصف الطريق بين طرابلس ومدينة حمص السورية .
, نظرت عبر النافذة , , شاهدت فيها أضواء خافتة , وبعض الجنود ,يروحون ويجيئون , لم ينزل من القطار أحد , ولم يصعد إليه أحد.
اعتلى القطار جنديّ سوريّ , وطلب منّا تصاريح للدّخول إلى سوريا, ولكننا لم نملك هذه التصاريح.
ما العمل؟ وما الحيلة؟ هل سنُرمى في براري تلّ الكلخ؟؟؟؟؟أم سيعيدوننا بقطار آخر إلى صور؟؟؟؟؟؟؟؟


(انتهت الحلقة الأولى. تابعوا معنا الحلقة الثانية قريبا)

تعليقات الزوار
أضف تعليق

الاسم / الاسم المستعار : *

مكان الاقامة :

عنوان التعليق : *

التعليق الكامل :